كلما أمعنت النظر في واقعنا وجدت أننا نعيش أزمة ضمير بكل ما تحملة الكلمة من معني وهذا هو سر ما نحن فيه من بلاء عظيم
هل هناك بلاء أكثر من أننا لم نعد نثق في بعضنا البعض ؟
تقسمنا إلي فرق وجماعات وفئات وطبقات كل منا يتقوقع داخل جماعته أو فرقته ويكيل الاتهامات لكل من يختلف معه وينصب الشراك لخصومه .
وكل منا يفكر كيف يستحوذ علي كل شيئ ويحرم الاخرين منه ونصل في النهاية أنه لا أحد يصل لمبتغاه من الاخر وتظل الخصومة قائمة تشكل خطواته وكلماته نحو الاخرين .
آخر تجمع لنا كوحدة واحدة ونسيج واحد كانت هي حرب أكتوبر 1973 وبدأ بعدها العقد ينفرط إلي حبات متناثرة منذ أن بدأ الانفتاح الاقتصادي المطلق والغير محسوب حتي أطلقوا عليه إنفتاح السداح مداح والذي أسس له الرئيس الراحل أنور السادات وسار علي دربه خليفته في حكم مصر حسني مبارك وزاد عليه الغباء السياسي ومن ثم أصبح المجتمع المصري مجتمع طارد لأبنائه قاتل لمواهبهم العلمية والثقافية والادبية والاخلاقية بعد أن قتل فيهم الانتماء للوطن وتحولت مصر إلي حلة ضغط تعمل بجد وإجتهاد لكي تسوي الطبخة داخلها وتخرج لنا طبخة غريبة علي المجتمع المصري طبخة أشبه باليخني بتاع عادل إمام في مسلسل أحلام الفتي الطائر والذي كان أحد منتجات تلك الفترة والمتأمل لهذا العمل يجد أنه يصب في النهاية بحيث يجعلك تتعاطف مع المجرم وتبرر له إجرامه هذا بالضبط هو ما آل اليه الحال في مصر في تلك العقود الاربعة منذ السبعينات حتي ثورة 30 يونيو في عام 2013 تلك الثورة التي أعادت أو إستعادت لحمة الشعب المصري مرة أخري ولكن هيهات هيهات بين الاثنتين فالاولي كانت مصر كلها علي قلب رجل واحد لا هدف لهم سوي مصر أما الثانية فقد حدث الاتحاد مرة أخري ولكن بعدة أهداف لكل فئة أو جماعة أو طبقة أو فرقة وإن ظل الامل موجود في إستعادة كل شيئ ولكن هذا يحتاج لبعض الوقت لأن ما حدث خلال اربعون سنة لا يمحي هو وآثاره في دقائق معدودة
فمن تربي علي أن الرشوة تفتيح مخ أو فهلوة أو حتي شطارة كيف له أن يعتبرها حرام في لحظة ؟
فمثلا مهنة التدريس مهنة سامية هدفها بناء الانسان بالعلم والاخلاق والثقافة ولكن ما يحدث فيها الان يتنافي تماما مع أهدافها وألقي ذلك بظلاله علي المجتمع كله .
مهنة الطب مهنة إنسانية بالدرجة الاولي ولكنها تحولت لمهنة تجارية بحته تستغل ظروف الناس وحاجتهم للعلاج ولا يهم أي شيئ سوي العائد منها ماديا حتي لو أضطر المريض للأنتظار عدة شهور لكي يتمكن من الوصول للطبيب ليوقع عليه الكشف .
مهنة الاعلام مهنة الحقيقة والخبر الصادق ولكن مع الاسف تحولت لمهنة الفبركة والاخبار الساخنة وتزييف الحقائق .
الفن من المفروض أن يكون هو الشق الاخر من التعليم الغير مباشر والذي يهدف لخلق انسان جيد بما يبثه فيه من أخلاق ومبادئ وقيم ولكن للأسف تحول إلي إسفاف وتفاهه وإنحطاط أخلاقي وفكري وكل شيئ عدا أن يكون فن راقي والحجة دائما أن الجمهور عاوز كده .
الموظف في أي مصلحة حكومية مهمته تسهيل أمور المواطنين وطلباتهم داخل مصلحته ولكن ما يحدث عكس ذلك تماما فيتم تعقيد كل شيئ حتي يدفع المواطن المعلوم لكي ينهي له طلبه ودون ذلك لا شيئ يتم .
الداعية الواعظ بدلا من أن يكون دوره هو توعية الناس بأمور دينهم ودعوتهم لطريق الحق والصواب بالحكمة والموعظة الحسنة إعتبر ما يقوم به وظيفة فتحول من داعية إلي موظف ويتصف بكل ما يتصف به الموظف من روتين وإهمال وتزويغ في بعض الاحيان ففقدنا جانبا هاما في حياتنا فتح الباب لتجار الدين للعب في عقول الشباب وبث ما يريدون في عقولهم ونفوسهم فالارض خصبة لذلك.
حتي داخل الاسرة الواحدة لا الاب يقوم بدوه كما ينبغي ولا الام تعلم حقيقة دورها في حياة ابنائها ولا الاخ ولا الاخت أصبحوا كما يجب أن يكونوا تجاه بعضهم البعض .
قس علي هذا كل مناحي الحياة وما يربطنا ببعضنا البعض من علاقات إفتقدت للضمير نعم هي أزمة ضمير تتحكم في كل شيئ ... أزمة ضمير جعلت الكل يطمع في الكل والجميع لا يتقن سوي الاحتيال علي ما في يد الاخرين لكي يستحوذ عليه .
عندما يعود الضمير يؤرق المخطئ ستعود مصر أم الدنيا .